ثقافة ومعرفة

الكساد الكبير 1920-1929.. وماذا حدث في وول ستريت يوم الخميس الأسود؟

أسباب الكساد الكبير

خلال عشرينيات القرن الماضي، توسع الاقتصاد الأمريكي بسرعة هائلة، وتضاعف إجمالي ثروة البلاد بين عامي 1920 و1929، وهي الفترة التي أطلق عليها اسم «العشرينيات الصاعدة»، بالتالي؛ كانت سوق الأوراق المالية، المتمركزة في بورصة نيويورك للأوراق المالية في وول ستريت في مدينة نيويورك، مسرحًا لتكهنات متهورة.

حيث قام الجميع بداية من أصحاب الملايين إلى الطهاة والحراس بوضع مدخراتهم في الأسهم، ونتيجة لذلك، شهد سوق الأوراق المالية توسعًا سريعًا، ووصل إلى ذروته في أغسطس 1929.

عند هذه اللحظة، كان الإنتاج قد انخفض بالفعل وارتفعت البطالة، مما جعل أسعار الأسهم أعلى بكثير من قيمتها الفعلية، وكانت الأجور في ذلك الوقت منخفضة، والديون الاستهلاكية تتكاثر، وكان القطاع الزراعي في الاقتصاد يعاني بسبب الجفاف وانخفاض أسعار المواد الغذائية، وكان لدى البنوك فائض من القروض الكبيرة التي لا يمكن تصفيتها.

في صيف 1929، دخل الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود معتدل، حيث تباطأ الإنفاق الاستهلاكي وبدأت السلع غير المباعة في التراكم، مما أدى بدوره إلى تباطؤ إنتاج المصانع، ومع ذلك، استمرت أسعار الأسهم في الارتفاع، وبنهاية هذا العام وصلت إلى مستويات لا يمكن أن تقارن بحجم الأرباح المتوقعة منها.

الخميس الأسود

الكساد الكبيرا

لخميس الأسود في وول ستريت.

في 24 أكتوبر 1929، عندما بدأ المستثمرون القلقون في بيع الأسهم المبالغ فيها بشكل جماعي، حدث انهيار سوق الأسهم الذي كان البعض يخشى حدوثه، وقتئذ، تم تداول 12.9 مليون سهم في يوم واحد والمعروف باسم «الخميس الأسود».

بعد 5 أيام، تحديدًا يوم الثلاثاء الموافق الـ29 من أكتوبر، تم تداول حوالي 16 مليون سهم بعد موجة أخرى من الذعر التي اجتاحت وول ستريت، انتهى الأمر بالملايين من الأسهم بلا قيمة، وضاعت معها أموال المستثمرين الذين قاموا بشراء هذه الأسهم.

مع تلاشي ثقة المستهلك في أعقاب انهيار سوق الأوراق المالية، تراجع حجم الإنفاق، ما أدى إلى إبطاء إنتاجية المصانع، وبداهةً، تسريح العمال، أما بالنسبة لأولئك الذين حالفهم الحظ بالبقاء في العمل، انخفضت أجورهم بشكل قاسٍ، وبالتبعية انخفضت قدرتهم الشرائية معها.

أثناء فترة الكساد الكبير، كان هناك التزام عالمي بالذهب كمعيار لتبادل العملات، بالتالي طالت الأزمة الجميع بداية من الأمريكان الذي سقطوا في الديون، وتعرضت أعداد كبيرة منهم للسجن لعدم قدرتهم على تسديد الديون المستحقة، وصولا إلى سكان أوروبا، الذين عانوا أيضًا من أزمات مشابهة.

حل هربرت هوفر المؤقت للأزمة

على الرغم من تأكيدات الرئيس هربرت هوفر وغيره من القادة بأن الأزمة ستأخذ مجراها، استمرت الأمور في التدهور، وبحلول عام 1930، لم يتمكن 4 ملايين أمريكي يبحثون عن عمل من العثور عليه، بينما ارتفع هذا العدد إلى 6 ملايين في عام 1931، بالتزامن مع ذلك، انخفض الإنتاج الصناعي للبلاد بمقدار النصف، وأصبحت خطوط الخبز ومطابخ الحساء والأعداد المتزايدة من المشردين أكثر شيوعًا في البلدات والمدن الأمريكية، حيث لم يكن باستطاعة المزارعين تحمل نفقات جني محاصيلهم، واضطروا إلى تركها تتعفن في الحقول بينما كان الناس يتضورون جوعا في أماكن أخرى.

في خريف عام 1930، بدأت الموجة الأولى من 4 موجات من الذعر المصرفي، حيث فقد عدد كبير من المستثمرين الثقة في بنوكهم وطالبوا بودائعهم النقدية، مما اضطر البنوك إلى تصفية القروض من أجل استكمال احتياطياتها النقدية غير الكافية، استمرت حالة الذعر المصرفي لنحو 3 أعوام، أغلقت خلالها آلاف البنوك حول العالم.

في محاولة لمواجهة الكساد الكبير؛ حاولت الحكومة المساعدة، فقامت إدارة الرئيس هوفر بدعم البنوك بقروض حكومية، وكان الهدف من هذه الخطوة هو أن البنوك بدورها ستقرض الشركات، ما يعينها على إعادة توظيف العمالة التي تم تسريحها.

الشعب ينتخب روزفلت

الكساد الكبير

هربرت هووفر وفرانكلين دي روزفلت.

كان هربرت هوفر يعتقد أن الحكومة لا يجب أن تتدخل بشكل مباشر في الاقتصاد، وليست مسؤولة مسؤولية كاملةً عن خلق فرص عمل أو توفير إغاثة اقتصادية لمواطنيها، ولكن مع تزايد بؤس الحالة المعيشية، وتضاعف أعداد العاطلين عن العمل (20 مليون عاطل)، تم إقصاء هوفر من منصبه كرئيس بعدما اختار الشعب الأمريكي فرانكلين دي روزفلت رئيسًا منتخبًا جديدًا.

بحلول يوم تنصيب روزفلت كرئيس (4 مارس 1933)، أمرت كل ولاية أمريكية جميع البنوك المتبقية بالإغلاق في نهاية الموجة الرابعة من الذعر المصرفي، ولم يكن لدى وزارة الخزانة الأمريكية ما يكفي من النقود لدفع رواتب جميع موظفي الحكومة، ومع ذلك، أظهر روزفلت طاقة إيجابية، مصرحًا أن «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه».

اتخذ روزفلت إجراءات فورية لمعالجة المشاكل الاقتصادية في البلاد، أعلن أولاً عن عطلة مصرفية مدتها 4 أيام تغلق خلالها جميع البنوك حتى يتمكن الكونجرس من تمرير تشريع إصلاحي قبل إعادة فتح تلك البنوك، كما بدأ في مخاطبة الجمهور مباشرة عبر الراديو في سلسلة من المحادثات، وقطعت هذه المحادثات المسماة «المحادثات الجانبية» شوطًا طويلاً نحو استعادة ثقة الجمهور في الحكومة.

على عكس سياسات ومعتقدات هوفر، حاول روزفلت إنقاذ البلاد من الكساد الكبير عبر نهج أكثر واقعية، فخلال أول 100 يوم من توليه منصبه، أصدرت إدارته تشريعات تهدف إلى استقرار الإنتاج الصناعي والزراعي، وخلق فرص العمل، بالإضافة إلى ذلك، سعى روزفلت إلى إصلاح النظام المالي، وإنشاء المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع (FDIC) لحماية حسابات المودعين، ولجنة الأوراق المالية والبورصات (SEC) لتنظيم سوق الأوراق المالية ومنع الانتهاكات من النوع الذي أدى إلى ما حدث بالعام 1929.

الطريق نحو التعافي

من ضمن برامج الحكومة الجديدة بقيادة روزفلت التي هدفت للعودة إلى الطريق الصحيح والتعافي من أزمة الكساد الكبير كان ما يعرف بـ«سلطة وادي تينيسي»، التي قامت ببناء السدود والمشاريع الكهرومائية من أجل السيطرة على الفيضانات وتوليد الكهرباء لمنطقة وادي تينيسي الفقيرة، وكذلك إدارة تقدم الأعمال المخولة بتوفير الوظائف الثابتة لنحو 8.5 مليون مواطن أمريكي خلال الفترة ما بين 1935 و1943.

عندما بدأ الكساد الكبير، كانت الولايات المتحدة الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي لم يكن لديها شكل من أشكال التأمين ضد البطالة أو الضمان الاجتماعي، لذلك وفي عام 1935، أصدر الكونجرس قانون الضمان الاجتماعي، الذي قدم لأول مرة للأمريكيين إعانات البطالة والعجز والمعاشات التقاعدية لكبار السن.

استمر الاقتصاد في التحسن خلال سنوات روزفلت الأولى في السلطة، حيث نما الناتج المحلي الإجمال بمعدل 9% سنويًا، ومع ذلك، حدث ركود حاد بالعام 1937، أثر بشكل كبير على المكاسب التي حصدتها الإدارة الأمريكية، وجعل آثار الكساد الكبير السلبية تمتد حتى نهاية ذلك العقد.

نهاية الكساد الكبير وبداية الحرب العالمية الثانية

الكساد الكبير

هجوم بيرل هاربور.

غذت مصاعب حقبة الكساد صعود الحركات السياسية المتطرفة في مختلف البلدان الأوروبية، وأبرزها نظام أدولف هتلر النازي في ألمانيا، حيث أدى العدوان الألماني إلى اندلاع الحرب في أوروبا في عام 1939، ووجهت الإدارة الأمريكية اهتمامها إلى تعزيز البنية التحتية العسكرية للولايات المتحدة، حتى مع الحفاظ على حيادها.

ومع قرار روزفلت بدعم بريطانيا وفرنسا في الحرب ضد ألمانيا ودول المحور، تم الاهتمام بالتصنيع الدفاعي، مما أدى إلى إنتاج المزيد والمزيد من فرص العمل في القطاع الخاص، واحتدم الأمر، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور في ديسمبر1941، حيث دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية، وعادت مصانع الأمة إلى وضع الإنتاج الكامل.

أدى هذا الإنتاج الصناعي المتوسع، بالإضافة إلى التجنيد الذي بدأ في عام 1942، إلى خفض معدل البطالة إلى ما دون مستوى ما قبل الكساد الكبير، بالتالي انتهى الكساد الكبير أخيرًا، ووجهت الولايات المتحدة انتباهها إلى الصراع العالمي في الحرب العالمية الثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى